خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بوصية رسول الله(ص) حيث ورد أن إعرابياً جاء إلى رسول الله(ص) فأخذ بغرز راحلته، وهو يريد بعض غزواته، فقال: يا رسول الله: علّمني عملاً أدخل به الجنّة!.. فقال: “ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم، وما كرهت أن يأتيه إليك فلا تأته إليهم، خلِّ سبيل الراحلة”.

إننا أحوج ما نكون إلى هذه الوصية التي إن التزمنا بها سنكون أكثر عدلاً وإنسانية، وهي السبيل لوصولنا إلى رضا الله وبلوغ جنته ونصبح بها أكثر قدرة على مواجهة التحديات…

والبداية من الواقع المعيشي والاقتصادي حيث تستمر معاناة اللبنانيين على هذا الصعيد بفعل الارتفاع المستمر في أسعار السلع والمواد الغذائية والدواء لا سيما أدوية الأمراض المستعصية والاستشفاء وكلفة النقل وتأمين الكهرباء والاتصالات وكافة الحاجات الأساسية والضرورية، وأدت إلى عجز كثير من اللبنانيين عن تأمين مقاعد دراسة لأولادهم لارتفاع أقساط المدارس والجامعات الخاصة وعدم قدرتهم على تأمين مستلزمات التعليم وكلفة النقل، فيما الغموض لا يزال يلف مصير فتح المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية ما يعرض الطلاب لضياع العام الدراسي عليهم.

ولم تقف تداعيات ذلك عند عدم القدرة على تأمين هذه الاحتياجات أو النقص منها، بل إلى أن يخاطر بعض منهم بأنفسهم وبأولادهم وعائلاتهم ويركبوا مراكب يعرفون مسبقاً أنها قد تهدد حياتهم

وتؤدي إلى غرقهم للهروب من جحيم هذا البلد، ما ولد ذلك مآسٍ شهدناها سابقاً وتكررت بالأمس.

يأتي كل ذلك في وقت يستمر من يتولون إدارة الدولة بإدارة الظهر لكل ما يجري ويتعاملون معه وكأن البلد بخير، فلا يدعوهم كل ذلك إلى إعلان حال طوارئ اقتصادية واجتماعية واستنفار جهودهم من أجل إيقاف هذه المأساة بكل تداعياتها الكارثية، بل نرى إمعاناً في زيادة الأعباء عليهم ومد اليد إلى جيوبهم الفارغة لتأمين تمويل نفقات الدولة كما ظهر وسيظهر في الموازنة المطروحة حالياً.

وإذا كان من أجواء إيجابية بدأت تلوح في الأفق لتأليف حكومة، فرغم أهمية هذه الخطوة لكنها مع الأسف لم تأت بدافع الحاجة الملحة إلى حكومة إنقاذ تخرج البلد من الواقع المزري والمأساوي، وتكون بمقوماتها حكومة قادرة على النهوض بأعباء هذه المرحلة الصعبة بل الهدف منها هو ملأ الفراغ، الذي بات مع الأسف مسلماً به لدى القوى السياسية على صعيد رئاسة الجمهورية، لمنع الجدل والتجاذب السياسي والدستوري الذي قد يحدث إن بقيت حكومة تصريف الأعمال إلى وقت الفراغ.

إننا أمام هذا الواقع نعيد دعوة كل من هم في مواقع المسؤولية إلى الرأفة بالناس وتحسس آلامهم ومعاناتهم والقيام بدورهم لإخراج البلد من معاناته بـتأليف حكومة نريدها حكومة كفوءة قادرة على إيقاف الانهيار والقيام بالإصلاحات المطلوبة التي بات يتوقف عليها تقديم العون للبنان، والتي مع الأسف لم تحصل حتى الآن.

في الوقت الذي نعيد التأكيد على ما قلناه سابقاً من ضرورة تهيئة كل الظروف التي تضمن انتخاب رئيس للجمهورية يكون بمستوى هذه المرحلة ويحمل تطلعات وآمال كل اللبنانيين التواقين إلى بناء دولة خالية من الفساد وقادرة على النهوض بمقدراتها الكفيلة بحل أزماتها لو أُحسن استثمارها بدل التسليم للفراغ الذي بات حديث الساعة ومحط انتظار تدخلات الخارج لتحقيقه.

ونعود إلى الملفات المطروحة حيث لا تزال قضية المودعين في الواجهة بعد كل ما جرى في الأسبوع الماضي على صعيد المصارف والخوف من عودته لعدم قيام المصارف بأية مبادرة حل توقف

غضب المودعين والاكتفاء بإقفال أبوابها حتى لا تكون عرضة للمودعين المطالبين بأموالهم أو بحل أمني يمنع المودعين من السعي لتحصيلها.

إننا نصر على الحفاظ على القطاع المصرفي لأهميته وإبقاء أبوابه مفتوحة لكونه ضمانة لاقتصاد هذا البلد ولتيسير شؤون المواطنين الذين لا يمكنهم الاستغناء عنه.

ولكن من شروط تحقيق ذلك هو العمل الجاد لمعالجة أزمة المودعين من قبل المصارف ومن ورائهم الدولة المعنية بالمصارف وبمواطنيها ولا سيما إذا كانت سبباً في حصول هذه الأزمة وإيصال المصارف إلى ما وصلت إليه.

أما على صعيد الكهرباء، حيث تستمر العتمة تلف كافة المناطق اللبنانية لعدم توفر الفيول لتشغيل معاملها، فإننا نأمل أن تفضي المداولات التي جرت مع الجمهورية الإسلامية، التي أبدت استعدادها الكامل لتأمين الفيول، إلى نتائج عملية تضمن وصولها بأسرع وقت ممكن لحاجة اللبنانيين الماسة إليها في هذه المرحلة وإن لم تكن حلاً جذرياً، وأن لا تقف أية عوائق تقنية أو غير تقنية حولها، ونأمل أن يكون ذلك دافعاً لدول أخرى حريصة على هذا البلد لتقديم مساهماتها بما يسرّع من تجاوز لبنان لأزمته على هذا الصعيد.

أما على صعيد الترسيم للحدود البحرية، فإننا نأمل أن تتحقق الأجواء الإيجابية التي تم الحديث عنها عبر التصريحات ووسائل الإعلام، ولكن التجارب الكثيرة مع العدو علمتنا أن لا نستغرق مع هذا العدو في التفاؤل. ونبقى على حذر إلى وقت انجلاء الصورة الحقيقية حيث نخشى أن يكون وراء إشاعة التفاؤل هذه هو كسب المزيد من الوقت ريثما تنتهي انتخاباته ويتضح المسار الانتخابي في لبنان ليبني على الشيء مقتضاه.

أما على صعيد اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإننا نريد لهذا المنبر العالمي أن لا يكون منبراً لمن يريدون إذكاء الصراعات ونزيف الدماء والحروب والفقر والمجاعة في هذا العالم، بل لإخمادها والذي لن يكون إلا بالعمل لتحقيق العدالة المفقودة في هذا العالم، والحد من هيمنة الدول الكبرى على الدول الصغرى وإثارة الفتن داخلها، ليكون لها الحق بتقرير مصيرها وحق شعوبها في الحياة الكريمة والاستفادة من ثرواتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.