خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فلض الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بوصية الله لنا عندما قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد}…

حيث أشار الله إلى المراحل التي تمر بالإنسان، ففي الطفولة اللعب وفي فترة الفتوة اللهو وفي مرحلة الشباب حب الزينة…

وبعد ذلك تولد لدى الإنسان سمة التفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد، ثم بعد ذلك يبين الله لنا أن هذه الحياة لن تدوم لأحد مثلها {كَمَثَلِ غَيْثٍ (وهو المطر) أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (الزراع) ثُمَّ يَهِيجُ (ينمو) فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً (لا يعود له أثر) وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ (ثم يشير إلى حصيلة العمر في الآخرة حيث الإنسان إما سيواجه العذاب الشديد أو مغفرة من الله والحصول على رضوانه. ثم يبين حقيقة الدنيا {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}…

فالدنيا تخدع وتغري من عليها ولكنها تلفظهم من على ظهرها…

أيُّها الأحبة: إننا أحوج ما نكون إلى وعي الحياة الدنيا، أن لا ننظر إليها بظواهرها بل بحقيقتها حتى لا نخدع بها، وبذلك نكون أكثر وعياً ومسؤولية وقدرة على مواجهة التحديات…

والبداية من معاناة اللبنانيين اليومية لتأمين أدنى متطلبات حياتهم من الغذاء والدواء وسبل الاستشفاء والكهرباء والماء ووسائل الانتقال.

وقد أصبح واضحاً أن أسبابها تعود إلى الارتفاع المتزايد في سعر صرف الدولار وجشع من يتحكمون بسوق الغذاء والدواء والمحروقات والذي يحظون بالتغطية الكافية التي تجعلهم بمنأى عن المسائلة والملاحقة والضبط.

فيما الدولة المعنية بمواطنيها غائبة عن كل ما يجري وتكتفي بالمسكنات والمهدئات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ونحن أمام هذا الواقع المزري والمأساوي والذي لم يعد اللبنانيون قادرين على تحمل أعبائه وتداعياته، نعيد دعوة من تمثلوا في المجلس النيابي الجديد إلى استنفار جهودهم وقدراتهم وعدم التباطؤ في القيام بمسؤولياتهم التي تحملوها، إن على صعيد التشريع وإصدار القوانين أو على صعيد الرقابة أو في اختيار من يتصدرون الحكومة أو من يتولون المواقع فيها أو من يتصدر رئاسة هذا البلد.

إننا نقول لهم؛ أن الوقت ليس وقت مناكفات وصراعات وتسجيل نقاط أو عرض عضلات إعلامية على شاشات التلفاز أو عبر الصحافة ومواقع التواصل، أو دعوات للعودة إلى اصطفافات ذات طابع طائفي أو مذهبي أو غيره ساهمت وتساهم في تعميق الهوة بين اللبنانيين أو تدخله في الصراعات الإقليمية والدولية، بينما الوقت كله ينبغي أن يكون لإنقاذ بلد يتداعى والخروج من المنزلق الخطير الذي وصل إليه.

إن ما ندعوكم إليه هو أن تعوا أن اللبنانيين لم يعطوكم وكالة مطلقة تجعلكم تتصرفون بها ما تشاؤون وكيف تشاؤون، بل هي مقيدة بالعمل الجاد والمسؤول لتحقيق الوعود التي وعدتموها إن على صعيد حماية البلد من العدو الذي لا يزال يستبيح بر هذا البلد وبحره وجوه ويسعى ليستبيح ثرواته أو بإزالة كابوس الهدر والفساد وسوء الإدارة الجاثم على صدورهم والسبب فيما وصولوا إليه.

إن هذه الوعود ليست خياراً بل هي واجب ومسؤولية، وعليكم أن تؤدوا أماناتها كاملة إليهم…

إننا نرى أن المجلس النيابي لن يكن قادراً على أن يقوم بالدور المطلوب إلا عندما تمتد الأيدي إلى بعضها البعض ويتناسى الجميع أحقاد الماضي القريب والبعيد وتوتراته وخطاباته ويتجردوا من أنانياتهم وحساباتهم الضيقة.

إننا سنتفاءل كثيراً عندما نرى المجلس على الصورة التي عبر عنها رئيسه ونريدها أن تتجسد على أرض الواقع حين دعا إلى مجلس نيابي يعمل فيه الجميع وبكل تنوعاتهم على معالجة الأزمات المتفاقمة التي يعاني منها اللبنانيون وترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية على حساب مناخات الاحتراب الداخلي والانقسام الطائفي والمذهبي ومواجهة أي تفريط بحقوق لبنان السيادية على ثرواته المائية والنفطية وعدم المساومة عليها أو تكون باباً كما يراد لها للتطبيع مع العدو الصهيوني..

إن اللبنانيين تواقون لمثل هذا التغيير، ولدور للنائب يكون نائبا فيهً عن الوطن كله ويتطلع بعيون اللبنانيين جميعاً، حتى وهو يتطلع إلى مصالح من انتخبوه أو الطائفة التي ينتمي إليها.

وننتقل إلى الصعيد الاجتماعي لنعلن وقوفنا مع الصرخة التي أطلقتها المؤسسات الاجتماعية التي تتولى رعاية الأيتام والحالات الصعبة والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة في دعوتهم الدولة إلى تحمل مسؤوليتها تجاه من تتولى رعايتهم حتى يستمروا بدورهم، ولا يسقطوا تحت وطأة الواقع الاقتصادي الصعد… وهنا ندعو المصرف المركزي إلى تحمل مسؤوليته لتلبية مطالب هذه المؤسسات التي عُرضت عليه واعتبارها من أولياته.

ونبقى على صعيد الثروة الغازية والنفطية، لننبه إلى ضرورة تضافر الجهود في هذه المرحلة لمنع العدو من استغلال انشغال اللبنانيين باستحقاقاتهم والبدء بالحفر من دون الأخذ بعين الاعتبار حق اللبنانيين في ثروتهم واستغلالهم لمواردهم.

وإلى فلسطين التي قدمت ولا تزال تقدم أنموذجاً رائداً في التصدي البطولي للعدو الصهيوني في مواجهة اعتداءاته في الضفة الغربية والقدس أو تلك التي جرت في مواجهة مسيرة الأعلام التي أراد العدو الصهيوني منها أن يؤكد سيطرته على القدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة.

ونحن في هذا المجال، نحيي هذا الشعب بشبابه وشيبه ورجاله ونسائه وأطفاله، وننحني أمام تضحياته الجسام وندعو إلى الوقوف معه لتثبيت وجوده في أرضه ومنع هذا العدو من استفراده كما يسعى.

ونتوقّف أخيراً عند ذكرى وفاة الإمام الخميني (رض)، هذا الإمام الّذي أعاد الاعتبار إلى صورة الإسلام المنفتح على العصر وعلى الحياة، ودعا المسلمين إلى الوحدة، والأديان إلى التّعاون فيما بينها، والمستضعفين إلى أن تتكتّل قواهم في مواجهة المستكبرين والظّالمين والطّغاة، ونبّه العالم العربي والإسلاميّ إلى مخاطر وجود الكيان الصّهيونيّ في قلبه، ودعاه إلى التوحّد في مواجهة هذا الكيان، والعمل لإعادة الشعب الفلسطيني إلى أرضه المغتصبة، وأن لا يسمح للاعبين بتمزيقه والعبث بثرواته، وعمل في الوقت نفسه على أن تقف إيران مع كلّ الشّعوب المظلومة والمقهورة، رغم الأعباء التي قد تتحمّلها في سبيل ذلك.

إنَّ هذه الذّكرى ستبقى حافزاً لنا لإبقاء العمل بكلّ الأهداف التي عمل لها، وستبقى حاضرةً في الوجدان، وهذا هو الوفاء له.