قرار الحرب متّخذ.. متى “الساعة الصفر”؟!

/ جورج علم /

إتّخذ قرار الحرب.. ويبقى تحديد “الساعة الصفر”!

وما بين القرار، وتنفيذه، مساحة من الحوار الذي يخترق سقوفاً أربعة: الدولي، الإقليمي، العربي، المحلي.

لا يملك “حزب الله” التوقيت، ولا إسرائيل، بل الأطراف الخارجيّة، المتهافتة على منابع الغاز، والمهتمة بما يجري على ضفتي “الخط الأزرق” البحري!

هناك مقاربات أربع ترجح خيار الحرب:

الأولى، أن إيران قد دخلت بقوّة على خط الترسيم، من خلال “حزب الله”. والمعادلة أبعد من “قانا مقابل كاريش”. المعادلة “غاز إيران، مقابل غاز إسرائيل”، فإما ينطلق الغاز الإيراني نحو الأسواق العالميّة  متحرراً من القيود، والعقوبات الأميركيّة، مقابل السماح لإسرائيل باستخراج غازها، والمضي قدما بتنفيذ مشروع “غاز شرق المتوسط” بإتجاه أوروبا. أو ـ احتمال ـ اللاغاز، ولا “شرق متوسط”، إذا ما بقي الغاز الإيراني عالقاً في شرنقة العقوبات!

الثانيّة، إن الروسي الذي يخوض حرباً مصيريّة في أوكرانيا ضد حلف شمال الأطلسي، وتحديداً ضد التحالف الأميركي ـ الأوروبي، لن يسمح لواشنطن أن تستخدم غاز لبنان ومن فلسطين المحتلة لـ”إسرائيل”، كسلاح معادٍ لاستراتيجيتها، في الصراع المفتوح مع الغرب، إنطلاقا من الجبهة الأوكرانيّة.

ليس هناك من آموس هوكشتاين روسي، يلعب دور الوسيط في مفاوضات الترسيم. وليس هناك من جنرال بارز في جيش القيصر، يتولّى إحداثيات الطول، والعرض في بحر الناقورة. ولكن بالتأكيد هناك مواجهة دبلوماسيّة صاخبة ـ قد تتحوّل الى عسكريّة ـ حول سلاح الغاز الذي دخل المعركة من الباب الواسع. وإذا كان من مصلحة الأميركي والإسرائيلي والأوروبي، إتمام الترسيم، والحصول على “غاز شرق المتوسط” كبديل عن الغاز الروسي، فإن من مصلحة موسكو استخدام كل الأوراق التي تمتلكها، لمنع “المحور المعادي لها”، من امتلاك هذه الورقة، ومحاصرة غازها بشروط تعجيزيّة صارمة.

الثالثة، إن الإدارة الأميركيّة الحاليّة، المرتبكة، والتي تواجه تحديات داخليّة إقتصاديّة وسياسيّة وأمنيّة، لا حّد لها ولا حصر، تحاول أن تكون طيّعة، مستجيبة لكل مطالب إسرائيل، وشروطها، في هذه المرحلة المصيريّة الفاصلة عن تشرين الثاني المقبل، موعد الإنتخابات النصفيّة للكونغرس الأميركي. والإدارة الأميركية بحاجة إلى “اللوبي” الإسرائيلي في الداخل لكي يتمكّن الديموقراطيّون من الفوز بالغالبية داخل مجلسي النواب، والشيوخ، لا أن تتحوّل هذه الغالبيّة إلى صفوف الجمهورييّن، الذين ـ في حال فوزهم ـ سيطوّقون ما تبقى من ولاية الرئيس الحالي، وسياساته إن على مستوى الداخل، أو الخارج.

إن الوسيط آموس هوكشتاين يتعاطى مع ملف الترسيم، من منطلق إنتخابي بإمتياز، يخدم مصالح إسرائيل التي تواجه إنتخابات داخليّة مفصليّة. كما يخدم المصالح الإنتخابيّة للإدارة الأميركيّة، وهو المجنّد لتنفيذ إملاءاتها، وهذا ما يترك ظلالاً من الشك حول مقدار النزاهة والحياد في التعاطي مع هذا الملف الحسّاس، ومدى القدرة، والإستعداد لإنجازه  قريباً،  وبشفافية مطلقة.

الرابعة، إن إيران، المصرّة على العودة إلى الإتفاق النووي بشروطها، والمصرّة على تخصيب اليورانيوم وفق المستويات التي تريدها، والمصرّة على تنفيذ التحالف الإستراتيجي مع الصين والتقيّد بشروطه على مدى 25 عاماً، والمصرّة على حجز موقع لها إلى جانب “الحليفين” الروسي والصيني في مواجهة الضغوط الأميركيّة، ترفض تماماً “الصندوق الإبراهيمي” و”التحالف الإبراهيمي” في الخليج، وتحديداً ما بين “إسرائيل” والعديد من الدول العربيّة، كما ترفض أن يصبح لبنان من خلال محاولات الترسيم، وغيرها من المحاولات الإقتصاديّة الأخرى، تابعاً، أو ملحقاً بهذا التحالف. لذلك فالمسألة هنا ليست مسألة مصالح فقط، بل مسألة نفوذ، وإثبات دور، وحضور.

إن السقف الدولي ـ الإقليمي ـ العربي مترجرج، لا يستند إلى قواعد ثابتة في ظل الحرب الأوكرانيّة وتداعياتها، وأيضا في ظلّ الإصطفافات الدوليّة المفتوحة على كل الإحتمالات. تكفي الإشارة إلى قمّة “منظمة شنغهاي للتعاون”، التي أنهت أعمالها مؤخراً في مدينة سمرقند الأوزبكستانيّة، وشارك فيها الرؤساء الروسي والصيني والهندي والإيراني والتركي، وغيرهم، وقد أكدّت على “عالم متعدد الأقطاب”، في مواجهة سياسة “القطب الواحد”، وهذا ما يكسب التصدّع الدولي زخماً في المواجهة المفتوحة على كل الإحتمالات.

ويبقى قرار الحرب متخذاً، إن بالنسبة لـ”حزب الله”، أو لـ”إسرائيل”، لكن مع وقف التنفيذ، بانتظار ما ستفرزه المستجدات من وقائع، وحقائق.

واللجوء إلى الحرب، قد يكون مطلوباً، أو خياراً محتملاً، للوصول إلى تسويات حول العديد من الملفات المهمّة المفتوحة في المنطقة، والملف اللبناني ضمناً.

وهناك مؤشرات دالّة في هذا التوقيت الحساس:

أولها، عودة شعار “لكم لبنانكم، ولنا لبناننا”. هذا الشعار من مخلفات الحرب الأهليّة التي كلّفت اللبنانيّين غالياً، إن بالبشر أو الحجر، وما زال بعض أثرها ظاهراً للعيان.

ورفع هذا الشعار، وفي هذا التوقيت، إنما ينطوي على حنين للحرب الأهليّة، أو للخيارات الانتحاريّة نحو التقسيم، والفدرلة، وما بينهما. علماً أن بعض الذي انخرط في تلك المشاريع، عاد فرفع في ما بعد، شعار: “لبنان أكبر من أن يبلع، وأصغر من أن يقسّم”!

ثاني تلك المؤشّرات، إختلال التوازن. ذلك أن القاعدة العلميّة واضحة “لا يمكن بناء وطن متوازن، في ظل انعدام التوازن بين طوائفه، ومكوناته”. وبالتالي أصبح الصراع مفتوحاً بين “تحقيق التوازن أولاً، ومن ثمّ الاستحقاق الرئاسي”، أو “الإستحقاق أولاً، وبعدين منشوف”!

أما المؤشر الثالث، فيتمثّل بعودة الدور السعودي بقوّة، وهذه المرّة من البوابة السنيّة، ومن خلال التنسيق والتفاهم مع دول كبرى نافذة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا ودول الإتحاد الأوروبي، حول واقع لبنان حاضراً، ومستقبلاً، في زمن الإستحقاقات، وعلى رأسها انتخاب رئيس للجمهورية. وأيضاً، محليّاً، من خلال التنسيق والتعاون مع دار الفتوى، وموقع الثقل الذي تحتله، إن على مستوى الطائفة، أو لبنان.

وإذا كان خيار الحرب ممكناً، وكفيلاً بأن يأتي بالتسوية التي تعيد فتح أبواب لبنان على العالم العربي، ومجلس التعاون الخليجي تحديداً، فالتمويل ممكن، إذا كانت هناك ضمانات حول النتائج المطلوبة.

ويبقى المؤشر الرابع الأكثر دقّة في هذه المرحلة. “تفاهم مار مخايل”، ساهم، أو ساعد الحزب على أن يبلغ ما بلغه على مستوى الداخل. وبقدر ما هو مهتم في “صناعة” رئيس، مهتم أكثر بمشروعه الخاص تجاه لبنان. عينه على النظام، على الصيغة، على الطائف، على كل ما يمكّنه من الإمساك بمفاصل القرار داخل الدولة، والمؤسسات،  تحت شعار “العدالة في توزيع المناصب، والمهام”. ودائماً حول تحديد موقع لبنان في صراع المحاور المحتدم في المنطقة، وما بين شرق، وغرب…

… ويبقى السؤال: هل الحرب واردة؟

القرار متخذ، ومعلن… وتبقى العوامل والمستجدات التي تحدد الساعة الصفر…